من يشاهد ساسة العراق الجديد يجزم إنهم مصابون بذاك المرض الخطير ، نفس الجنون الذي عاشه صدام ، يوم ملئ العراق كل العراق بسككه وحاراته ومدنه وقرآه من صوره التي زالت بزواله ، صوره التي كانت ترفع في طوابير الجيش والكراديس المستعرضه ،
كنا نرى ذلك وكنا له من الناكرين معارضين ومستهجنيين ، ولهذا عملنا مع كل الخيرين كي يعيش العراق حراً كباقي دول العالم التي تحترم نفسها ، والتي تبتعد عن كل ما يسيئ إلى سمعتها .
لقد صدمة حين رأيت جيش العراق الجديد في يوم الإنسحاب الأمريكي من المدن العراقية ، وهو يحمل بنفس الهيئة صورة للأخ المالكي في كراديس الفرق المستعرضه ، فدهشت لما رأيت وتذكرت من غير شعور تلك الإيام السود التي كنا ننقم منها على صدام حين كان يظن إنه كل العراق غير مفارق له ولا لزعامته .
أقول هذا : وانا واثق من إن الأخ المالكي لا يحب هذا اللون من التهريج ، ولا يحب هذا اللون من الدعاية ، ولا يحب هذا اللون من التفخيم المُخادع ، لأن اجل ذلك قصير وصاحبه إن رضي به مغبون ، ولهذا تمنيت من كل قلبي على من حوله من الأعوان النصيحة له ، في الإبتعاد ما أمكن عن ذلك وحساب الآثار والنتائج المستقبلية فهي الحاسمة .
أقول هذا : لأن عالم اليوم في السياسة هو ليس عالم الصور وحسب ، بل هو عالم العمل والثقة بالنفس ، وتحقيق مطالب الشعب ، في العيش الكريم ، وفي توفير الخدمات المنقطعة والمقطوعة أصلاً ، فلا كهرباء ، ولا ماء ، ولا طرق معبدة ، ولا امن مستتب ، بل الفساد المالي والأدراي والجريمة المنظمة والتخوين والتخويف والموت والمرض الذي ينخر جسد العراق ويأكله .
أقول هذا : كي يفهم الجميع إن الشعب لا يخاف من الصور ولا يعير لها بالاً لأنها من مخلفات الماضي ، فالشعب في وجدانه وضميره قد تجاوز ذلك ، حين داس بالنعل على كل الصور يوم سقطت بغداد في التاسع من نيسان .
أيها السادة : ثقوا إنما أنا في مقامي هذا لكم من الناصحين ، أريدُ ان تعيشوا أيامكم وما تبقى منها في الحكم وذكراكم طيبه ، لكن ذلك مشروط بالإبتعاد عن كل ما يذكر بالماضي السيء ، والإبتعاد عن كل من يوؤسس له ، والإبتعاد عن كل ما من شأنه ان يثير حفائظ القوم ، فالتعقل والحكمة في الحركة والفعل نتائجها حسنة ومقبوله فهي أدل وأوثق في التعبير والأشارة ، وكما قلت وأقول : إن عالم اليوم بكل تفاصيله وتباعيضه وأجزاءه ينظر ويراقب ويحدد ، ومن يريد ان يكون جزءً فاعلاً فيه عليه ان يعرف أو يتعرف على اشراط العيش والتعايش فيه ومعه .
والعراق كما تعلمون أيها السادة : هو دولة مؤوسسات هكذا هو وهكذا يجب ان يكون ، وليس هو دولة أفراد او أحزاب أو طوائف ، فلا الجيش فيه ملك لأحد ، ولا الشرطة أو الأجهزة الأمنية فيه ملك لأحد كذلك ، ولا حتى الوزارات ، ودولة المؤوسسات : هي بالتعريف البسيط دولة الشعب ، في خدمته وفي السهر من أجل ان يعيش بعيداً عن الخوف والكذب والخداع ، وهذا يعني ان لا نصادر منجزاته أو نختزلها بفرد أو بجماعة ، فالذي نعرفه إن زمن القائد الأوحد قد ولى ، وإن زمن القائد الضرورة قد ولى ، واليوم هو زمن الإيمان في العيش المشترك من دون شعارات أو أحقيات ، ولنا ان نقول هاكم أنظروا إلى العالم المتطور ، ليس فيه صور للقادة ولا تُحسب عمليات الجيش فيه ، وكأنها فعل الرئيس أو حتى قائد الجيش ، هي وظيفة وواجب ومهمة وطنية ، الكل فيها شركاء لا فضل ولا تمييز ولا تفاوت .
والعاقل هو من يتعض بغيره ، ويقرء التاريخ بتمعن كي لا يجره من يحاول إسقاطه وهو يظن إنه يخدمه ، والصور التي رأيتها قد تكون بداية غير محمودة لرجل نكن له إحترام خاص ، فحذاري ثم حذاري من إن يجر العراق لهذا المستنقع وهو يتماثل للشفاء بهدوء ، وحذاري ثم حذاري من مطبات وألغام يخطط لها كي تُدمر العملية السياسية برمتها ، ونعود إلى هناك حيث المقابر الجماعية والموت الزوئام ...
[ اللهم أشهد فإني قد بلغت ]