بينَّا في مقال الأسبوع الماضي كيف أن ابن خلدون ينطلق في تصوره للعصبية من أنها "الوازع" الذي يدفع العدوان الواقع على أحياء البدو من الخارج، وأنها تقوم بنفس الدور الذي تقوم به الأسوار والجند في العمران الحضري،
أي أنها قوة للمواجهة، وليس للفصل بين المنازعات، الشيء الذي يقوم به كبراء القبائل وشيوخها.
فالعصبية إذن، خاصة بالمجتمع البدوي وهي ظاهرة تستلزمها المعطيات الاجتماعية والاقتصادية السائدة في هذا النوع من العمران، هذا مع العلم أن صاحب "المقدمة" لا يغفل دور الجماعات المهنية في المدن كنقابات الحرفيين التي كان لها دور شبه سياسي في مدن المغرب والأندلس في عصره.
ولما كان "النسب" -حقيقياً كان أو وهمياً- والاعتقاد في وحدته، هو العلامة المميزة للجماعات المتساكنة في البادية، والأساس "القانوني" الذي تقوم عليه الرابطة العصبية، فإن هذه الرابطة لا تتجه نحو الوحدة والتجميع دوماً، بل إنها كثيراً ما تقوم بدور الفصل والتفرقة وبالتالي تتحول العلاقات بين العصبات إلى صراع، وفي هذه الحالة يتحول العدوان الذي جعل منه ابن خلدون "طبيعة بشرية" إلى عدوان العصائب بعضها ضد بعض. وبعبارة أخرى إنه الصراع "العصبي"، الصراع الذي يلعب فيه النسب دوراً لا يجب إهماله ولا التقليل من أهميته. ذلك لأنه على رغم أن النسب هو في الأصل رابطة جمع وتوحيد، فهو أيضاً عامل تفريق. فكما يجمع النسب أفراد العصبة الواحدة أو عصائب القبيلة الواحدة، فهو يعمل أيضاً على إشاعة الفرقة والتنافر بين الجماعات والأفراد الذين لا يربطهم نسب قريب أو بعيد. بل إن الالتحام بالنسب القريب، ينتج عنه تباعد بالنسب البعيد. والتعاون من أجل المصلحة المشتركة داخل العصبة الواحدة، يقابله التنافر بين مصالح العصبات. وأيضاً فالسيادة التي هي عامل توحيد، قد تصبح عامل تفرقة نتيجة تنافس أفراد الأرستقراطية القبلية على الرئاسة... وعلى العموم يمكن القول إن كل شيء في المجتمع العصبي يوحد ويفرِّق في آن واحد، سواء على مستوى العصبية الخاصة أو مستوى العصبية العامة. إن المجتمع القبلي يقوم على الكثرة داخل الوحدة، وعلى التناصُر والتعاضد في إطار التنافس والتناحُر، ومن ثم كانت الحياة في العمران البدوي، حياة صراع دائم.
الصراع العصبي، ليس صراعاً بين "الدماء"، ولا راجعاً إلى مجرد الاعتداد بالأنساب، بل هو صراع من أجل البقاء، صراع من أجل لقمة العيش.
هذا الصراع العصبي الذي جعل منه ابن خلدون القوة المحركة للتاريخ يحتاج إلى شرح وتحليل يبرزان عوامله الموضوعية. لقد نظر ابن خلدون إلى هذا الصراع باعتباره "طبعاً" من طبائع العمران، فهو في نظره نتيجة طبيعتين بشريتين متناقضتين: "صلة الرحم" التي هي "نزعة طبيعية في البشر منذ كانوا"، من جهة، و"الطبع العدواني" الذي هو أهم مظهر من مظاهر آثار الحيوانية فيهم من جهة أخرى.
ومما يجب التأكيد عليه هنا، أن العدوان الذي يتحدث عنه ابن خلدون والذي يجعل منه الحافز الموقِظ للعصبية، يستهدف في الدرجة الأولى شؤون المعاش. وذلك بشهادة ابن خلدون نفسه: فسكان البادية منهمكون في تحصيل الضروري من العيش: فـ"اجتماعهم وتعاونهم في حاجاتهم ومعاشهم وعمرانهم من القوت والكِنِّ والدفاءة، إنما هو بالمقدار الذي يحفظ الحياة ويحصِّل بُلغة العيش من غير مزيد عليه، للعجز عما وراء ذلك". ولذلك تجدهم يختصمون باستمرار على مَواطن الرزق، بل ولا يجدون حرجاً في الاعتداء على الأموال والممتلكات: "فمن امتدت عينه إلى متاع أخيه امتدت يده إلى أخذه".
وهكذا فالصراع العصبي، ليس صراعاً بين "الدماء"، ولا راجعاً إلى مجرد الاعتداد بالأنساب، بل هو صراع من أجل البقاء، صراع من أجل لقمة العيش. وإذا كان هذا الصراع لا يتخذ مظهراً اقتصادياً واضحاً وإنما يبدو في شكل صراع بين العصبات أو الجماعات التي تنتسب إلى نسب معين، فما ذلك إلا لطبيعة الظروف الاجتماعية الاقتصادية السائدة في العمران البدوي، الذي جعله ابن خلدون موضوعاً بدراسته. ومن هذه الظروف والأحوال، المعطيات التالية:
1- إن أهل البادية يعيشون أسراً وجماعات متباعدة يقل الاحتكاك بينها. فالصراع مع الطبيعة من أجل تحصيل المعاش يستغرق جل نشاط البدوي، والعلاقات التي قد تنشأ بينهم في صراعهم مع الطبيعة، علاقات محدودة. لقد كان الإنتاج في البادية أيام ابن خلدون يتسم بالطابع الفردي، ومن ثم فإن علاقات الإنتاج لم تكن تتعدى في الغالب نطاق الأسرة، مما جعل منها علاقات تعاون ومشاركة، لا علاقات استغلال. كما أن الملكية كانت "ملكية جماعية" بمعنى أنها تقوم على الشياع، فأفراد القبيلة يشتركون كلهم في ملكية الأرض وما عليها من غابات وأشجار ومياه... الخ. ولكنها من ناحية أخرى ملكية "فردية"، بمعنى أن القبيلة كلها باعتبارها شخصاً معنوياً، باعتبارها عصبة بالمفهوم الذي شرحناه آنفاً هي التي تملك.. هي ملكية جماعية بالنسبة للفرد داخل العصبة، وملكية فردية إذا نظرنا إليها من خلال انغلاق العصبة على نفسها انغلاقاً يجعل منها شخصاً معنوياً واضح الكيان مستقل الشخصية. ومن هنا كانت النزاعات حول الأرض وما عليها من خيرات، تتم ليس بين الأفراد، بل بين المجموعات. فكل اعتداء على أي مصدر من مصادر العيش الخاصة بفرد في عصبة معينة، هو في الحقيقة اعتداء على المجموعة كلها، حتى ولو كان ذلك المصدر المعتدى عليه لا يستفيد منه إلا شخص واحد، أو أسرة واحدة.
2- إن البدوي المشغول بتحصيل عيشه طوال وقته، خاضع للطبيعة وتحت رحمتها. فهو غني إذا جادت بالمياه والعشب، فقير ومهدد بالموت، إذا ضنت بذلك. وعندما تجد الجماعة البدوية نفسها مهددة بالفناء تحت وطأة الجدب أو غيره من الظروف الطبيعية القاسية (جراد، فيضان، أمراض)، فإنها لا تتردد في الهجوم على مواطن الجماعات الأخرى التي تعيش في ظروف أحسن.
3- يضاف إلى ذلك كله، عامل آخر له دوره في إشاعة الفرقة والتناحُر في المجتمع القبلي، وهو ما يعبر عنه بـ"عادة الثأر". إن التضامن القائم بين أفراد العصبة الواحدة يقتضي أن العصبة كلها مسؤولة عن كل عمل عدواني يقوم به أحد أفرادها على العصبات الأخرى سواء كان هذا العدوان يمس الأشخاص والممتلكات، أو ما تعتبره العصبة المعتدى عليها مقوماً من مقوماتها المادية والمعنوية. وبالمثل فإن الضرر الذي يصيب أحد أفراد العصبة أو أي جانب من جوانب وجودها المادي والمعنوي، تعتبره العصبة ضرراً لها ككل. وبعبارة أخرى إن التضامن الذي يربط الفرد بالعصبة، والعصبة بالفرد، يجعل المسؤولية داخل المجتمع القبلي مسؤولية جماعية. فالجماعة التي صدر منها العدوان، تعتبر كلها مسؤولة عنه، حتى ولو لم تكن موافقة عليه ولا مشجعة له. مثلما أن العصبة المعتدى عليها تعتبر نفسها مسؤولة عن رد العدوان، والثأر له، وإلا فتحت الباب بتقاعسها أمام المعتدين ليلتهموها التهاماً.
على أن الجماعة المعتدى عليها لا تقنع في الغالب، بمجرد الثأر بالمثل، بل إنها تثأر للضرر الذي أصابها، كما تثأر بالدرجة الأولى للمبادرة بالعدوان. إن الثأر هنا يأخذ صبغة "إعطاء درس قاسٍ"، حتى لا يعود المعتدي إلى العدوان، وطبيعي أن هذا الدرس القاسي يعني بالنسبة إلى الجماعة البدوية، المحدودة في رجالها ومتاعها وممتلكاتها، التخريب والدمار، ومن ثم يكون الصمود أمام الآخذين بالثأر يعني الصمود من أجل الحياة. وهكذا يصبح الثأر لا يعني شيئاً آخر غير الكفاح من أجل البقاء، وبعبارة أخرى، الحرب من أجل تجنب كوارث الحرب. ومن لا يظلم الناس يظلم.
وبعد، فنحن ما زلنا نقرأ واقعنا العربي الراهن بعيون ابن خلدون... والبقية تأتي..!